رواية
أبناء الخطأ الرومانسي
ياسر شعبان
· إلى أبناء الخطأ الرومانسي في كل زمان ومكان..
· إلى الأولاد والبنات الذين انتحروا لما فشلوا في علاقة عاطفية أو فقدوا حلما..
· إلى الشباب الذين ماتوا لأجل الأفكار الكبيرة.. والوطن
· إلى كل الذين رفضوا أن تدجنهم الحياة، فرأيناهم مجانين.
· إلى بعض الذين أحبهم بأسمائهم:
صلاح عبد الصبور ـ صلاح جاهين ـ سيد قطب ـ أمل دنقل ـ نجيب سرور ـ أروى صالح
“إلى أبي”
………………………………..
ثمة بندقية مصوبة باتجاه شخص يقف على بعد مأتي متر تقريبا.. ومن مكاني هنا أرى شخصين يقفان تقريبا وراء بعضهما، والرصاصة تنطلق تنطلق.. راقبوا.. واحد منهما أمال رأسه في اتجاه ما ـ فمرت الرصاصة التي لا يمكن متابعتها من مكانه. وكان تعليق طريف: “إمالة رأسه نجته من موت محقق وغريب”.
وغالبا ـ الرجل الذي أطلق الرصاصة سيقول: بالطبع ـ فأنا محترف، وأستطيع من بعد مأتي متر اصطياد صرصور صغير فما بالكم برأس ضخم كهذا.
ولما يسألونه عن الذي أمال رأسه.. ربما يقول: “توقعت أن يميل رأسه في هذه اللحظة.. هذه قوة إيحاء عبقرية يجب توافرها في القناص.. أو يندهش ويقول: لم أنتبه لوجود مثل هذا الرجل، أو هذا قدره ـ فلو أصابت الرصاصة رأسه لاخترقته لتستقر برأس الآخر ـ وهذا احتمال وارد.. لا أستبعده.
هكذا ـ الرجل يقف بالقرب من التابوت وبه جسد كان وراءه، الآن ممدد بثقبين على جانبي الجمجمة.. مشهد مؤثر يُدخله في غيبوبة فيتصور نفسه مكانه ـ بثقبين على جانبي الجمجمة ـ فقط لو لم يمل رأسه. ولا يعرف سببا واضحا لهذه الحركة المفاجئة.. ربما ذبابة.. التفاتة .. أو محاولة للتعبير عن عدم الرضا.
واقف أمام التابوت يحدق في العينين المغلقتين هكذا ـ للأبد ـ على صور وخيالات، يرغب في سماع صوت هذا الرجل لمرة واحدة.. مرة واحدة ومصحوبة بهذا الصفير لمرور هواء عبر ثقبين على جانبي الجمجمة.. صفير يذكره بمرور الرصاصة جوار أذنه ولحظتها لم تسر إليه بشيء.. حتى انتبه على صرخة الرجل خلفه. لكنه الآن ولسبب ما ـ يرتعش ويشعر ببرودة عرق يتحرك بطول سلسلة ظهره. موجات وموجات تكون الصوت الذي لم يسمعه من قبل، وهز كتفيه وقال: لم أسمعه من قبل فلماذا إذن أقف أمامه الآن ـ .. هل هو هذا الشعور الغامض بالأسى والممتزج تماما بفرحة النجاة .. النجاة ـ هذه الكلمة المبهمة التي لا تعني ـ الآن ـ سوى أنني قادر على الكلام، أستطيع توجيه الأسئلة لهذا المدد أمامي في التابوت وأستمتع بعدم قدرته على الرد.. أنت .. هل تستطيع الآن إدراك أنك ارتكبت خطأ إنسانيا بسيطا جدا ـ لكنك لا تستطيع إصلاحه. وقل لي أولا: من أين اشتريت هذا القميص الجميل ببقع الدم الداكنة عليه، ولا أقصد أية سخرية هنا، لكنني منزعج بشكل ما لتشابهها على قميصك وقميصي.. لا ليس لهذا السبب ـ فلست مهموما في هذه اللحظة بألعاب القدر، ولا أرغب في الموت بشكل رومانسي لأشاركك انفعالاتك، تصور ـ دائما أفشل في مشاركة الناس انفعالاتهم.. الناس الذين هم أصدقائي وأسرتي، فكيف وأنت لست ـ فقط ـ غريبا عابرا، بل وكنت سأموت لمجرد أنك مررت خلفي “بالضبط”.. وهذا أيضا جائز ـ أنا الذي سرت أمامك مباشرة والقناص على سطح العمارة المقابلة أراد اصطيادي، والدماء كادت تجف في عروقي لما لمحته، فهززت رأسي لتمر الرصاصة ـ فقط تمر ـ ولم أكن أعرف أنك خلفي.. ما الذي جعلك تمشي محاذيا لي؟!!
ولست متأكدا ـ بوصفي الحي الذي يتابع التحقيقات ـ أن هذا القناص يستطيع قول الحقيقة، فقط يفكر فيها ويرتبها ويبتسم لقدرته الفائقة جدا على الكذب.
وليس هذا ـ فقط ـ بل وقدرته على الإيحاء بأن هذا هو ( الحقيقة).
آه ـ الخطأ الذي ارتكبته يا عزيزي أنك لم تهز رأسك .. لماذا لم تهز رأسك أو تنحني أو تندفع لتخبطني بكتفك لتمر الرصاصة تصفر بشدة وتستقر برأس آخر ليحوز هذين الثقبين الصغيرين على جانبي الجمجمة.
وكان عليه أن ينتبه.. هناك خطوات تعلن: شخص ما يقترب ـ شخص ما يقترب .. إنه خلف الباب الأسود السميك المغلق.. تحرك .. يجب أن تختبئ.. لا مكان يصلح سوى هذا التابوت ـ إذن ـ سيكون جسد حي تحت جسد ميت أو جسد ميت فوق جسد حي (والفرق بين الاثنين ضئيل وربما غير مهم) ولا وقت للتفكير.
الآن جسد يسري فيه الدم ويعرق ويرتعش مختبئ في جسد لا يسري فيه الدم ولا يعرق ولا يرتعش. الخطوات تقترب، والإيقاع تقريبا أنثوي.. وحزين. علاقة أخرى تبدأ الآن ـ ومن طرف واحد تقريبا ـ معتمدة على الصوت والحدس، وهكذا ـ لأن الصوت رفيع فهي أنثى صوتها شجي وبه بحة شبقة جدا.. آه يا حبيبي ـ حتى أنت خادعتني ورحلت.. الأقدار تسخر مني وتتخطف الذين يحبونني بشكل عبثي ( وبهذا تشير إلى ميتات غير متوقعة أو مألوفة).. أنت تعرف: أبي ضربه البرق في ليلة شتوية منذ عشرين عاما، ولم تكن دموعي قد جفت على موت جدتي لما سقطت من فوق سريرها كالعادة، وبعدها بعامين تقريبا ـ سقط أخي في بالوعة.. آه هذه البالوعة التي تقع في منتصف الشارع، وتعرف أنه كان يستعرض مهاراته بالقفز فوقها وهو معصوب العينين.
وأشياء أخرى كثيرة جعلتني أتأكد من معاندة الموت لي، فـ”الذين” أتمنى منه أخذهم يعيشون ليواسوني شامتين في موتاي.. موتاي يا حبيبي الذين ينتقلون من هذا الواقعي إلى أحلامي.. ينتقلون بانتظام وألفة وقدرة رائعة على المشاركة والتأثير.
وشعر الذي تمدد تحت الجسد الميت باندهاش لم يستطع التعبير عنه بمد شفته السفلى أو رفع حاجبيه، فاكتفى بارتعاشة يديه.. ارتعاشة كانت كافية لجذب انتباهها فطرفت عيناها عدة مرات متتالية، وفتحت حقيبة يدها في حالة بين الخوف والاندهاش.
ولأنه من المعتاد “أو أصبح معتادا من كثرة تكراره” أن هذه الحالة نفسية تنتج عن الارتباط بالميت، بالإضافة إلى أثر المكان والأجواء.
بالطبع حالة من الهلاوس ( وبهذا اشتركا لأول مرة في التفكير بشيء.. فهو يرغب أن تصدق هذا حتى لا ينكشف، وهي ترغب بشدة في تصديقه حتى لا يتوقف قلبها..) وكانت الكلمات بعد ذلك مفاجئة له، وربما لها لو أنصتت..
كعادتك دائما تشاركني أحزاني حتى وأنت ميت منذ ثلاث ساعات.. تصور ـ ترتعش بالطريقة نفسها وأنت حي لما أفضفض لك عن أحزاني واكتئابي ( وفي هذه اللحظة لم يستطع أن يمنع نفسه عن إصدار صوت يعبر عن الاستهجان.. فهذا الخداع المزدوج بلا داع.. حبيبها ميت وهي متأكدة ـ فلماذا هذه المداهنة؟! هل الرعب الداخلي والرغبة في الإفلات من الأشباح “حتى أشباح أحبائنا” تدفعنا لخداع أنفسنا أيضا، ثم أنا متأكد ـ تقريبا ـ أنه غير قادر على المشاركة وهو يمتلك هذه القسمات الغليظة الجامدة الصارمة..) وإذا بها تنهنه فيرتعش جسدها كله وتلتصق ملابسها الشفافة بجسدها فتبدو عارية، واستداراتها توحي ببكارة ما.. وتتراجع خطوتين وعيناها مفتوحتان على آخرهما.. هذا مستحيل مستحيل.. إنه صوته ـ بالتأكيد، بل وطريقته في الاستهجان.. يا الله ـ أنا الآن إما مجنونة أو انتصرت لأول مرة على الموت. وقفت هكذا لدقائق قليلة تحدق في الجسد المدد بالتابوت ولا تعرف أنهما جسدان، وأن العفن الفطري بدأ ينبت على جسده وهو بذلك في طريقه للتحلل والاختفاء تماما، ولا تشعر بضيق هذا الجسد الحي لأن مثانته ستنفجر وأيضا رائحة الجسد الميت فوقه تثير رغبته في العطس، وبذلك يقاوم فعلين شديدي الإلحاح ومقرفين.
ولأن ما يلح عليها ـ الآن ـ هاجس أنه حي، فلا ترى الثقبين على جانبي الجمجمة، وترجع زرقة شفتيه إلى “كان مدخنا شرها” فتهمس له من مكانها بلا خطوة للإمام.. أنت حي ـ أنت عبقري لأنني صدقت حيلتك.. صدقت ميتتك رغم أنك فاجأتني بها لأول مرة منذ سنة.. أتذكر؟! ـ في قاع البانيو الفارغ كنت ترقد بملابسك كاملة وشفتين زرقاوين ـ هكذا مثلما الآن ـ بلا انفعال واضح “تقصد خارجي” تصور كما يحدث ـ الآن ـ ارتعشت يدك ثم صدر عنك صوت يعبر عن الاستهجان، وبكيت وتراجعت خطوتين، وكدت أموت من الخوف، ولما اقتربت منك ومددت يدي إلى وجهك أتحسسه كان باردا برودته الآن، وحاولت أدغدغك.. ولم تستجب. فاستدرت وأنا أكاد أشعر بيدك تنقض على مؤخرتي فأصرخ وأقفز وأحضنك .. لكنك لم تتحرك. أتذكر ماذا فعلت يومها لحسم الموقف.. أظنك تذكر.. بالطبع تذكر فهذه أشياء يصعب نسيانها.
ورغم ضيقه ابتسم وعدد الاحتمالات: ربما شكته بدبوس ـ قرصته ـ سكبت عليه ماء مثلجا ـ وفجأة تجهم ورغب في ضرب جبهته بباطن كفه.. هل فعلت هذا ـ معقول.. يبدو أنه الاحتمال القريب جدا.. ماذا سأفعل لو مدت يدها ورغبت في تكرار نفس الفعل.. يا بنت العفاريت “حاول إثارته” .. أليس كذلك؟!.
وكان أن ابتسمت وهي تمد يدها إلى أسفل بطنه ـ طبعا أنت متذكر، وستحاول مقاومتي ولا تنفعل.. ولن تستطيع الصمود خصوصا إذا عريت لك جسدي وتركتك تلمسه.
..وهكذا استثارت الجسد الحي المدد تحت وطأة الجسد الميت، وحاول منع هذا بيده لكنه لم يستطع تحريكها وحاول ضم ساقيه ولم يستطع، فأي حركة ستفضحه.. فأغمض عينيه وترك الموقف لهذه الأنثى التي لا يعرف شكل وجهها أو جسمها، وهل ستكون مثيرة أم لا.. فقط صوتها المحمل بالحزن والشجن والجنس و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ